[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم.
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد أشرف الخلق و المرسلين , و على آله و صحبه الطيبين الطاهرين .
قال الله تعالى : {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة.
فالنبي الأكرم محمد صلى الله عليه و آله و سلم , حريص على أمته رؤوف رحيم بها.لذلك ما ترك مورد خير إلا دلنا عليه , و لا منبع شر إلا حذرنا منه.و أشد ما حذرنا منه فتنة المسيح الدجال .و قال عنها أنها أشد الفتن.
و ليس على المسلم من فتنة أشد إلا تلك التي قد تمس إيمانه و توحيده لله تعالى.
... ولنستمع معاً إلى ما رواه نعيم والحاكم في المستدرك عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في فتنة الدجّال:
(إنّما أُحدِّثُكم هذا لِتعقلوه، وتفهموه، وتفقهوه، وتَعوه فاعملوا عليه، وحَدِّثوا به مَن خَلْفكُم، وَلِيُحدِّث الآخَرُ الآخَرَ فإنَّهُ من أشدِّ الفِتَن).
فهي دعوة من رسول الله , شديدة التأكيد , إذ علينا أن نعقل حديث رسول الله في الدجال.بكل ما تحمله كلمة (( عقل من معنى )).الفهم و الإمساك و القيد.
و نفهمه .فهي أحاديث تتطلب فهما.و لا تؤخذ بالسطحية الحرفية. كما تتطلب وعيا , و عملا أيضا.و هي دعوة لبث هذه الأحاديث و الحديث بها للناس .
كما أن رسول الله قال : (( إن يظهر و أنا فيكم , فأنا حجيجه دونكم , و إن يظهر و لست فيكم فامرؤ حجيج نفسه و الله خليفتي في كل مسلم )) أو كما قال الصادق الأمين.
فالقضية بيننا و بين المسيح الدجال قضية حجة و برهان و علم , و ليست قضية قتال و حروب.
بل لقد كان من رحمة و حرص رسول الله على أمته أن دلها على ما يعصمها من فتنة المسيح الدجال.فأوصانا أن نقرأ عليه فواتح أو خواتم سورة الكهف.
- هشام بن عمار. حدثنا يحيى بن حمزة. حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير. حدثني أبي؛ أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي يقول: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال، الغداة، فخفض فيه ورفع. حتى ظننا أنه في طائفة النخل. فلما رحنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرف ذلك فينا. فقال:
(( ماشأنكم؟)) فقلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال الغداة. فخفضت فيه ثم رفعت. حتى ظننا أنه في طائفة النخل. قال ((غير الدجال أخوفني حجيج نفسه. والله خلفتي على كل مسلم. إنه شابق قطط. عينة قائمة. كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن. فمن رآه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف.من فهرس ابن ماجة كتاب الفتن.
و العجب أن هناك من المسلمين , من يرى أن القرآن الكريم لم يشر مطلقا , لفتنة الدجال , لا من قريب و لا من بعيد. بحجة واهية ضعيفة و هي أن القرآن الكريم لم يحتو على كلمة الدجال مطلقا .
و الحقيقة أن هذا الموقف يعد بمثابة رد لكلام الصادق الأمين.إذ لو خلا كتاب الله من إشارة إلى فتنة المسيح الدجال , لما أحالنا رسول الله إلى كتاب الله أصلا.
بل من كمال علم رسول الله الصادق الأمين , أن حدد لنا ما يعصمنا من فتنة هي أشد الفتن , بحيث حصر لنا مواضع العصمة من هذه الفتنة في عشرين آية فقط من كتاب الله المجيد.و هي فواتح و خواتم سورة الكهف.قلب القرآن المجيد.
و عليه فلا بد أن هذه الآيات الكريمة تحمل إشارة بالغة الدلالة عن هذه الفتنة الشديدة.بل لا بد لها أن تحمل في طياتها ما يعصم المسلم منها بالتأكيد .فالنبي الأكرم لا ينطق عن هوى أبدا.
يقول الله تعالى : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً} (171) سورة النساء.
تتوجه الآية الكريمة بالخطاب إلى أهل الكتاب , و تنهاهم عن الغلو في الدين.و أن لا يقولوا على الله غير الحق.و تبين لهم حقيقة المسيح ابن مريم عليه السلام , كونه بشرا رسولا . و توجه لهم تحذيرا شديدا عن قولهم : (( أن الله ثالث ثلاثة )) و العياذ بالله .فتأمرهم بالإنتهاء عن قول هذا البهتان العظيم.
و تبين لهم أنه من الخير لهم أن ينتهوا عن هذا القول الباطل المفضي للكفر الصريح .
لكننا لو بحثنا عن موضع آخر لمثل هذا التحذير لوجدنا يتخذ صورة إنذار إلهي صريح للمسيحيين بالدرجة الأولى. فيقول الله تعالى في فواتح سورة الكهف : {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} (4) سورة الكهف.
و هنا تبدأ الحقيقة في التجلي .فمن هم الذين قالوا اتخذ الله ولدا؟.
و القرآن الكريم يجيب عن هذا السؤال حيث نقرأ قول الله تعالى : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (30) سورة التوبة.
و مع أن اليهود قالوا أن عزير ابن الله , إلا أن قولهم هذا لم يصل إلى درجة قول النصارى المسيح ابن الله من حيث انتشار هذا الكفر الصريح . فيكون المقصود الأول من هذا الإنذار القرآني هم المسيحيون .الذين زعموا أن المسيح ابن مريم هو ابن الله .و لا يزالون يتمسكون بهذا الكفر الصريح رغم بيان بطلانه التام .
و هنا تتجلى الإشارة إلى المسيح الدجال في القرآن الكريم . فالإنذار يتوجه للمسيحيين.و هنا نرى الربط بين المسيح الدجال و بين أمة المسيحيين واضح تمام الوضوح .
فرسول الله لم يسم هذا الدجال باسم غير المسيح, فلم يسمه مثلا الدجال الساحر.أو الدجال البوذي أو الدجال الهندوسي.
بل الإشارة واضحة و مقصودة تماما .المسيح الدجال إشارة إلى الأمة المسيحية التي ستخرج منها اشد الفتن.
أما في خواتم سورة الكهف. فينبغي لفهم الإشارة القرآنية للمسيح الدجال , الرجوع للسنة النبوية الشريفة و للآيات العشر الأواخر من سورة الكهف.
فنجد قول الله تعالى : {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} (101) سورة الكهف.
و نجد أن رسول الله , يصف المسيح الدجال أنه أعور العين .
و الحقيقة أن أمة النصارى ترى بعين واحدة , و هي عين العلوم المادية فقط. بينما تعمى أن تنظر في ذكر الله تعالى.من قرآن كريم و سنة نبوية شريفة .حيث تتجلى حقيقة التوحيد الخالص لله تعالى.بينما يستسيغ المسيحيون خرافة كون يسوع إله أو إبن إله , و لا يحاولون بحث معتقدهم الكافر هذا مطلقا .
و أي عور أكثر من أن يتخلى الإنسان عن عقله و يتخذ بشرا مثله , ربا يتوجه إليه بالعبادة من دون الله تعالى ؟.
فهذا هو عور عين القوم .أو بعبارة أخرى هذا هو غطاء أعينهم , الذين يمنعهم من رؤية حقيقة كفرهم الصريح , باتخاذهم بشرا ربا من دون الله تعالى.
و لكون البحث في قضية المسيح الدجال تتطلب كثيرا من الشرح و البيان و التوضيح , فلا بد من طرح هذه القضية عبر حلقات عديدة .و هذا تفاديا للإطالة التي قد تصيب القارئ بالملل .لذا أكتفي بما قد سبق , و سنرجع لبحث الموضوع بين اختلاف فهم فرق الإسلام لهذه القضية الخطيرة جدا جدا .
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[/align]
